أحمد بن محمد المقري التلمساني

342

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ثم قال ابن خلدون : وارتحل مع والده إلى المشرق « 1 » سنة ثلاث عشرة ، [ وسمع ببجاية على الشيخ ناصر الدين ] ، ولما جاور أبوه بالحرمين رجع إلى القاهرة ، فأقام وبرع في الطلب والرواية ، وكان يجيد الخطّين ، ورجع سنة ثلاث وثلاثين إلى المغرب ، ولقي السلطان أبا الحسن محاصرا لتلمسان ، وقد شيّد بالعبّاد مسجدا عظيما وكان عمّه محمد بن مرزوق خطيبا به على عادتهم في العبّاد ، وتوفي ، فولّاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمّه ، وسمعه يخطب على المنبر ، ويشيد بذكره ، ويثني عليه ، فحلي بعينه ، فقرّبه ، وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام ، ويأخذ نفسه بلقاء الأفاضل والأكابر والأخذ عنهم ، وحضر مع السلطان وقعة طريف ، ثم استعمله في الرسالة إلى الأندلس ، ثم إلى ملك قشتالة في تقرير الصلح ، واستنقاذ ولده المأسور يوم طريف ، ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى ، فرجع إلى المغرب . ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمّه حظيّة أبي الحسن . ثم رجع إلى تلمسان ، وأقام بالعبّاد ، وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن وأخوه أبو ثابت ، والسلطان أبو الحسن بالجزائر ، وقد حشد هناك ، فأرسل أبو سعيد ابن مرزوق المذكور إليه سرّا في الصلح ، فلمّا اطّلع أخوه أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه ، فبعثوا من حبس ابن مرزوق ، ثم أجازوه البحر إلى الأندلس ، فنزل على أبي الحجاج سلطانها بغرناطة ، فقرّبه ، واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء ، فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها ، فقدم عليه ، ورعى له وسائله ، ونظمه في أكابر أهل مجلسه ، ثم بعثه لتونس عام « 2 » ملكها سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى ، فردّت الخطبة ، واختفت بتونس ، ووشى إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعا على مكانها ، فسخطه « 3 » لذلك ، وأمر بسجنه ، فسجن مدة ، ثم أطلقه قبل موته . ولمّا استولى أبو سالم على السلطنة آثره ، وجعل زمام الأمور بيده ، فوطىء الناس عتبته « 4 » ، وغشي أشراف الدولة ببابه « 5 » ، وصرفوا إليه الوجوه ، فلما وثب عمر بن عبد اللّه بالسلطان آخر عام اثنين وستين حبس ابن مرزوق ، ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله ، فمنعه منهم ، ثم لحق بتونس سنة أربع وستين ، ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته أبي محمد بن تافراكين ، فأكرموه وولّوه الخطابة بجامع الموحدين ، وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو يحيى سنة سبعين وولى ابنه خالد ، ثم لمّا قتل السلطان أبو العباس خالدا

--> ( 1 ) في ب « إلى الشرق » . ( 2 ) في ب « لتونس على ملكها » . ( 3 ) سخطه وسخط عليه : غضب عليه ونقم . ( 4 ) في ب « فوطىء الناس عقبه » . ( 5 ) في ب « بابه » .